🤚🤚🤚
*سيرة الصديق*
الحلقة الأولى .. 👇
اسمه ونسبه وألقابه
*هو عبد الله بن عثمان _ويكنى بأبي قحافة_ بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب*
يلتقي مع رسول الله ﷺ عند مرة بن كعب الجد السادس .
يعود نسب سيدنا أبي بكر الصديق من أبيه ومن أمه إلى بني تيم ، وبنو تيم أحد بطون قريش الاثني عشر ، وليست هي من البطون القوية المعروفة كبني عبد مناف وبني مخزوم .
وكانت هذه البطون تتباهى فيما بينها بالأعمال ، وتتفاخر بالشرف ، ويكاثر بعضها بعضاً بالعدد والأحلاف ، أما بنو تيم فلم تكن لهم منافسة ، كما لم يدخلوا حلبتها ، بل كانوا منصرفين إلى التجارة وإلى أعمالهم الخاصة ، والتجارة تقتضي الهدوء والمعاملة الحسنة كي تروج ويقدم عليها طلابها ، وهذا ما عرفت به بنو تيم، ومن هؤلاء ظهر أبو بكر الصديق رضي الله عنه .
ولد أبو بكر رضي الله عنه في السنة الثالثة من عام الفيل ، وهو بذلك يكون أصغر من رسول الله ﷺ بسنتين وبضعة أشهر
ألقابه :
١ - عتيق : كانت أمه لا يعيش لها ولد ، فلما ولدته استقبلت به البيت وقالت : اللهم إن هذا عتيقك من الموت فهبه لي .
فلما عاش أبو بكر وشبّ سمي عتيقا ؛ كأنه أُعتِق من الموت ، وسماه به أبوه قبل الإسلام لعتاقة وجهه ؛ أي حسنه وجماله ، وسماه ﷺ به في الإسلام ، وقال :
(أنت عتيق الله من النار)
٢ - الصديق :
وهذا اللقب الباذخ أصبح علماً على سيدنا أبي بكر ، ولازمه أتم الملازمة ، فلا يذكر اسمه إلا مقروناً بالصديق ، حلّاه به رسول الله ﷺ في مواقف عديدة ، وسبب تلقيبه بهذا اللقب كثرة تصديقه النبي ﷺ
٣ - الأوّاه :
وكان يسمى بالأواه لرأفته ورحمته .
صفاته الخِلْقية :
كان الصديق رجلاً نحيفاً ، أبيض البشرة ، قليل لحم الوجه ، غائر العينين ، ناتئ الجبهة ، ناحل الخصر ،
لا يستمسك إزاره ، يسترخي عن حقويه أي خصره ، في ظهره انحناء ، بهي الطلعة ، حسن الثغر ، وقد شاب في الإسلام ، وكان يصبغ ويغير شيبه .
وكان نَقش خاتم أبي بكر
(نعم القادر الله)
صفاته الخُلقية :
كان رضي الله عنه أليفاً ودوداً ، حسن المعاشرة ، حييّاً رقيقاً ، مشهوراً بالصدق ، عالماً بأنساب قومه ، وكان مطبوعاً على أفضل الشمائل التي تتألف الناس فيألفونه وتميل إليه قلوبهم ، كما ناء بعقله ونفسه عما يشين سيرته من الانحطاط بالانحناء للأصنام ، أو يخدش مروءته بمعاقرة الخمر وأرجاس الجاهلية .
قال أبو بكر رضي الله عنه في مجمع من أصحاب رسول الله ﷺ :
ما سجدت لصنم قط ، وذلك أني لما ناهزت الحُلم أخذني أبو قحافة بيدي ، فانطلق بي إلى مخدع فيه الأصنام ، فقال لي :
هذه آلهتك الشمّ العوالي ، وخلاني وذهب ، فدنوت من الصنم وقلت :
إني جائع فأطعمني ، فلم يجبني ، فقلت :
إني عارٍ فاكسُني ، فلم يجبني ، فألقيت عليه صخرة فخرّ لوجهه .
قيل لأبي بكر الصديق في مجمع من أصحاب رسول الله ﷺ :
هل شربت الخمر في الجاهلية ؟
فقال :
أعوذ بالله .
فقيل :
ولم ؟
قال : كنت أصون عرضي وأحفظ مروءتي ، فإن من شرب الخمر كان مضيَّعاً في عرضه ومروءته .
فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال :
"صدق أبو بكر ، صدق أبو بكر"
وكان رضي الله عنه فيه حدّةٌ يغالبها ولا يستعصي عليه أن يكبح جماحها ، إلا أنها كانت حدّة تنم على سرعة التأثير فيه ، فإذا لم تكن غضباً يغالبه ويكبحه فهو سريع التأثر الى الرحمة والرفق في جملة أحواله ، يميل الى الحزن والأسى ، ويعطف على الحزين والأسوان ، كما وصفته ابنته الصديقة عائشة رضي الله عنها :
( كان غزير الدمعة ، وقيذ الجوانح ، شجي النسيج )
رضى الله عنه
😘❤️
🤚🤚🤚
// سيرة الصديق //
الحلقة الثانية.. 👇
حياته في الجاهلية وعلاقته بالنبي ﷺ .
كان أبو بكر رضي الله عنه من وجهاء قريش وأشرافهم وأحد رؤسائهم ، وكانت إليه " الأشناق "
_وهي الديات والمغارم_ ، فكان إذا حمل شيئاً فسأل فيه قريشاً صدقوه وأمضوا حمالة من نهض معه ، وإن احتملها غيره خذلوه .
وكان رضي الله عنه أعلم قريش بالقبائل وأنسابها ، فهو نسّابة قريش المعروف ، أنسب قريش لقريش ، وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر ، وكان رجلاً ذا خلق ومعروف ، وكان رجال قريش يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر ؛ لعلمه ، وتجارته ، وحسن مجالسته .
وكان رضي الله عنه خِدناً للنبي ﷺ وصفيّاً له قبل البعثة ، وكان معه حين ذهب مع عمه إلى الشام واجتمع ببحيرا الراهب ، وكان النبي ﷺ في بدء الوحي إذا برز سمع من يناديه :
يا محمد .
فإذا سمع الصوت انطلق هارباّ ، فأسرّ ذلك إلى أبي بكر ، وكان نديماً له في الجاهلية .
لقد عُرف سيدنا أبو بكر في قريش كلها بصحبته للنبي ﷺ قبل البعثة ، فكانت قريش تقول له :
اسمع ما يقول صاحبك .
لقد كان أبو بكر رضي الله عنه صديقاً لسيدنا محمد ﷺ ، فهو بذلك مثل معظم رجالات ذلك الزمن ، إلا أن دخوله في الإسلام وسبقه في ذلك قد رفعه عمن سواه ، وكان الشخص الثاني بعد رسول الله ﷺ ، وإذا كان الإسلام قد رفع كل من اعتنقه ، فقد جعل بعضهم دون بعض حسب سبقه ، وإخلاصه ، وتقواه ، وتضحيته ، وكل هذا مما امتاز به أبو بكر رضي الله عنه .
عمله :
اشتهر أبو بكر في الجاهلية والإسلام بعمله في التجارة ، وكان يسافر تاجراً إلى الشام واليمن ، وكان رأس ماله 40,000 درهم ، وعمل بالتجارة " بزّازاً " يبيع الثياب بمكة وهو في مرحلة الشباب ، وقدم تاجراً إلى بصرى من الشام في الجاهلية والإسلام ، وبقي كذلك حتى استُخلِف ، فلما صار خليفةً للمسلمين أصبح غادياً إلى السوق ، وعلى رقبته أثواب يتّجر بها ، فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما قالا :
أين تريد يا خليفة رسول الله ؟
قال : السوق .
قالا : تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين ؟
قال : فمن أين أطعِم عيالي ؟
قالا له : انطلق حتى نفرض لك شيئاً ، فانطلق معهما ، ففرضوا له كل يوم شطر شاة .
هكذا الرجال ، وهكذا صنعة رسول الله ﷺ لأصحابه ،
فمع حب النبي ﷺ للصديق ، وحب أبي بكر للرسول ﷺ الذي لا يدانيه حب ، ورغم ملازمة أبي بكر له وحرصه على عدم مفارقته ، لم يفرط الصديق في حق أهله واكتساب الرزق من عمل يده ، بل بقي كذلك عندما أضحى خليفة المسلمين ، ولم يجد غضاضةً أن يضع على عاتقه ثوباً من القماش ويتجه إلى السوق ليتّجر ويوفر على المسلمين (راتب الخليفة) !
إنها عظمة النفوس والعفة والتواضع ، فحيّا الله أولئك الرجال .
💓🤍😘
🤚🤚🤚
// سيرة الصديق//
الحلقة الثالثة .. 👇
أسرة أبي بكر
_رضي الله عنه_
والده ..
*أبو قحافة عثمان بن عامر*
أسلم عام الفتح ، وكان قد كفَّ بصره .
لما دخل النبي ﷺ مكة فاتحاً أتى أبو بكر بأبيه يقوده ، فلما رآه رسول الله ﷺ قال :
« هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه »
قال أبو بكر :
يا رسول الله هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه أنت .
فأجلسه بين يديه ، ثم مسح صدره ، ثم قال له :
«أسلم» فأسلم ، فدخل به أبو بكر وكأنّ رأسه ثَغامة _نبت أبيض الثمر والزهر يَُشَبّه بياض الشيب به_
فقال رسول الله ﷺ :
«غيّروا هذا من شعره» «وجنبوه السواد»
وفي هذه الآداب النبوية في التواضع ، والأخلاق الصديقية في البر والحرصِ على الدعوة قدوة للسائر إلى الله .
توفي أبو بكر رضي الله عنه في حياة أبيه فورثه أبوه ، وردّ نصيبه على ولد أبي بكر ، ثم توفي أبو قحافة بعده بستة أشهر بمكة سنه 14 للهجرة وعمره 97 سنة .
والدته
*أم الخير ، سلمى بنت صخر*
من بني تيم .
أسلمت قديماً ورسول الله ﷺ في دار الأرقم بن أبي الأرقم .
ورد خبر إسلامها في قصة إلحاح سيدنا أبي بكر رضي الله عنه على النبي ﷺ أن يظهروا بإسلامهم في مكة فناله أذى شديد من قريش ، ثم ذهب من بيته وهو يتكيء على أمه وأم جميل بنت الخطاب ، وتوجه الى رسول الله ﷺ في دار الأرقم ، فقال رضي الله عنه :
بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، ليس بي إلا ما نال الفاسق _عتبة بن ربيعة_
من وجهي ، وهذه أمي بَرّةٌ بوالديها ، وأنت مبارك ، فادعها إلى الله وادعُ الله لها ، عسى أن يستنقذها بك من النار .
فدعا لها رسول الله ﷺ ثم دعاها إلى الله عز وجل ، فأسلمت .
وهذا مقام الصديق في أضيق المواقف ، والبلاء قد نزل به حتى غشي عليه ، لا ينسى الدعوة إلى الله وبره بأمه .
*أخواه معتق وعُتَيق*
الظاهر أنهما ماتا صغيرين كما يُفهم من الخبر الذي قدمناه أن أم أبي بكر كانت لا يعيش لها ولد ، فلما ولدته استقبلت به البيت وقالت :
اللهم إن هذا عتيقك من الموت ، فهبه لي .
"أخواته"
*أم فروة ، وأم عامر ، وقُريبة*
وكلهن صحابيات رضي الله عنهن .
زواجه :
١ - *أم رومان* :
لما بلغ أبو بكر 23 عاماً من العمر تزوج أم رومان ، وولدت للصديق
*عبد الرحمن وعائشة أم المؤمنين* .
أسلمت رضي الله عنها قديماً ، وبايعت وهاجرت ، توفيت في عهد سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه .
٢ _ *قُتيلة بنت عبد العزى*
وما أن أنجبت أم رومان للصديق عبد الرحمن حتى تزوج بامرأة أخرى هي قتيلة ، وولدت له
*عبد الله ، وأسماء* .
وكان أبو بكر طلقها في الجاهلية ، والراجح أنها لم تسلم ، ولما قدمت على ابنتها أسماء في المدينة ، استفتت أسماء رضي الله عنها رسول الله ﷺ فقالت :
إن أمي قدمت وهي راغبة ، أفأصِل أمي ؟
قال : «نعم ، صلي أمك»
٣ _ *أسماء بنت عُمَيس* :
صحابية جليلة من عِلية النساء ، ومن المهاجرات الأُوَل ، أسلمت قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم ، هاجر بها زوجها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الحبشة ثم إلى المدينة ، ومات عنها شهيداً في غزوة مؤتة ، فتزوجها بعده أبو بكر رضي الله عنه ، وحجت معه حجة الوداع مع النبي ﷺ ، وولدت لأبي بكر
*ابنه محمداً*
وقت الإحرام بذي الحُلَيفة ، توفي عنها الصديق وأوصاها أن تغسله ، ففعلت ، ثم تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وولدت له ، وعاشت بعده .
٤ _ *حبيبة بنت خارجة الأنصارية* :
صحابية ، أسلمت وبايعت النبي ﷺ ، تزوجها الصديق رضي الله عنه لما هاجر إلى المدينة ، توفي عنها أبو بكر رضي الله عنه وهي حامل ، فولدت له
*ابنته أم كلثوم* .
٥_ *أم بكر* :
لا يعرف اسمها تزوجها أبو بكر ثم طلقها .
🌹👍🌹
🤚🤚🤚
// سيرة الصديق //
الحلقة الرابعة..
إسلامه :
كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه صديق رسول الله ﷺ ، فما أن بُعِث سيدنا محمدُ بن عبد الله ﷺ حتى آمن أبو بكر بدعوته .
وسبب إسلامه أنه علم من صدق صاحبه ، وأمانته ، وحسن سجيته ، وكرم أخلاقه ، ما يمنعه من الكذب على الخَلق فكيف يكذب على الله ؟
ولِما عرف منه أنه أهل لحمل الرسالة ، وذلك أثناء صداقته له ولقائه معه ، ثم بسبب ما سمع من الناس الذين كانوا على الحنيفية (١)
دين أبينا إبراهيم عليه السلام ، وما ذكره الذين يدعون أنهم لهم علم بالكتاب بقرب ظهور نبي .
يقول أبو بكر رضي الله عنه :
كنت جالساً بفناء الكعبة ، وكان زيد بن عمرو بن نفيل قاعداً ، فمرّ به أمية بن أبي الصلت فقال :
كيف أصبحت يا باغي الخير ؟
قال : بخير .
قال : هل وجدت ؟
قال : لا ، ولم آلُ من طلب .
فقال : كل دين يومَ القيامة إلا ، ما قضى الله في الحنيفية بورُ .
أما إن هذا النبي الذي يُنتظَر منا أو منكم أو من أهل فلسطين
قال أبو بكر : ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبي ينتظر ولا يبعث ، فخرجت أريد ورقة بن نوفل ، وكان كثير النظر في السماء ، كثير همهمة الصدر ، فاستوقفته ، ثم اقتصصت عليه الحديث .
فقال :
نعم يا ابن أخي ،
أبى أهل الكتاب والعلماء إلا أن هذا النبي الذي يُنتظَر من أوسط العرب نسباً ، ولي علم بالنسب ، وقومك أوسط العرب نسباً .
قلت :
يا عم ، وما يقول النبي ؟
قال : يقول ما قيل له ، ألا إنه لا ظلمَ ولا تظالم .
فلما بُعِث رسول الله ﷺ آمنتُ وصدقتُ .
وقال أبو بكر رضي الله عنه :
خرجت أريد اليمن ، قبل أن يبعث النبي ﷺ ، فنزلت على شيخ من الأزد عالمٍ قد قرأ الكتب ، وعلم من عِلم الناس علماً كثيراً ، فلما رآني قال : أحسبك حِرمياً .
قلت : نعم ، أنا من أهل الحرم .
قال : وأحسبك قرشياً .
قال : نعم ، أنا من قريش .
قال : وأحسبك تيمياً .
قال : نعم ، أنا من تيم بن مرة .
قال : أجد في العلم الصحيح الزكي الصادق أن نبياً يُبعث في الحرم ، يعاونه على أمره فتىً وكهل ، فأما الفتى فخوّاضُ غمراتٍ ودفّاع مُعضِلات ، وأما الكهل فأبيض نحيف ، على بطنه شامة ، وعلى فخذه اليسرى علامة ، وما عليك أن تريني ما سألتك ، فقد تكاملت لي فيك الصفة الا ما خفي عليّ .
قال أبو بكر :
فكشفتُ له عن بطني ، فرأى شامة سوداء فوق سرتي .
فقال : أنت هو ورب الكعبة ، وإني متقدِّم إليك في أمر فاحذره ،
قلت : وما هو ؟
قال : إياك والميل عن الهدى ، وتمسك بالطريقة الوسطى ، وخفِ اللهَ فيما خوَّلك وأعطاك .
وكان أبو بكر خِدنًا _صديقا / صاحبا_ للنبي ﷺ وصفيًّا له ، فلما بُعث ﷺ ، انطلق رجال من قريش إلى أبي بكر فقالوا :
يا أبا بكر إن صاحبك هذا قد جن .
قال أبو بكر :
وما شأنه ؟
قالوا : هو ذاك يدعو في المسجد إلى توحيد إله واحد ويزعم أنه نبي .
فقال أبو بكر :
وقال ذاك ؟
قالوا : نعم هو ذاك في المسجد يقول ، فأقبل أبو بكر إلى النبي ﷺ ، فطرق عليه الباب فاستخرجه ، فلما ظهر له قال له أبو بكر :
يا أبا القاسم ما الذي بلغني عنك ؟
قال : «وما بلغك عني يا أبا بكر ؟»
قال : بلغني أنك تدعو لتوحيد الله وزعمت أنك رسول الله .
فقال النبي ﷺ :
«نعم يا أبا بكر ، إن ربي جعلني بشيرًا ونذيرًا ، وجعلني دعوة إبراهيم ، وأرسلني إلى الناس جميعًا »
قال له أبو بكر : والله ما جرّبت عليك كذبًا ، وإنك لخليق _أهل_ بالرسالة لعظم أمانتك وصلتك لرحمك وحسن فعالك ، مُدَّ يدك فأنا أبايعك ، فمدّ رسول الله ﷺ يده فبايعه أبو بكر وصدقه . وفي رواية :
فانطلق عنه رسول الله ﷺ وما بين الأخشبين أحد أكثر سروراً منه بإسلام أبي بكر .
قال النبي ﷺ :
«ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له عنه كَبوة وتردد ونظر ، إلا أبا بكر ، ما عَتَم عنه حين ذكرته له ، وما تردد فيه »
كبوة : توقف
عتم : تلبث وأبطأ
وفي رواية عن ربيعة بن كعب قال :
كان إسلام أبي بكر شبيهًا بالوحي من السماء ، وذلك أنه كان تاجرًا بالشام فرأى رؤيا فقصها على بحيرا الراهب فقال له :
من أين أنت ؟
فقال : من مكة
فقال : من أيها ؟
قال : من قريش .
قال : فأي شيء أنت ؟
قال : تاجر
قال : إن صدق الله رؤياك فإنه يبعث نبي من قومك تكون وزيره في حياته وخليفته من بعد وفاته ، فأسرّ ذلك أبو بكر في نفسه ، حتى بعث النبي ﷺ فجاءه فقال : يا محمد ما الدليل على ما تدعي ؟
قال : «الرؤيا التي رأيت بالشام » فعانقه ، وقبَّل بين عينيه ، وقال :
أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أنك رسول الله ،
قال أبو بكر :
وما بين لابتيها أشد من سرور رسول الله ﷺ بإسلامي .
قلتُ _العبد الفقير_ :
إن صحت الرواية ، فإن طلب أبي بكر الدليل ليس ليتأكد من صدق رسول الله ﷺ ، لأنه يعلم صدقه وأمانته ، لكنه طلب الدليل ليظهر لقريش صدق دعوة النبي ﷺ .
ويُحتمل أن طلب الدليل من قبيل ما دعا سيدُنا إبراهيمُ الخليل ربَّه
«رب أرني كيف تحي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي»
فإن سيدنا إبراهيم عليه السلام مؤمن مصدّق بنص الآية ، لكنه طلب ذلك من ربه ؛ لأنه أراد عليه السلام أن يرتقي في درجات اليقين ؛ من علم اليقين إلى عين اليقين )
وبذلك كان سيدنا أبو بكر أول الرجال إسلاماً ،
وأول من أسلم من الناس خارج بيت النبوة ، وإلى هذا ذهب جمهور أهل السنة وأئمة الإسلام .
_____________________
١ - الحنفاء : هم أناس رفضوا عبادة الأوثان وتركوا ما عليه قومهم من عبادة الأصنام ،
أو عبادة غير الواحد الديان ، وراحوا يبحثون عن الدين الحق ، وكانوا يتطلعون
_رغم اندراس الدين_
نحو الحق ؛ لذا وجدنا بعضهم يعتنق النصرانية ، وبعضهم يتمسك ببقايا دين إبراهيم عليه السلام .
ومن أشهر الحنفاء :
زيد بن عمرو بن نفيل ،
قس بن ساعدة الإيادي ، وورقة بن نوفل .
😘🌹
🤚🤚
// سيرة الصديق //
الحلقة الخامسة..
*أولاده*
١ - عبد الرحمن :
كان أسنّ أولاد أبي بكر .
تأخر إسلامه ، وشهد بدراً وهو مع المشركين ، ودعا إلى المبارزة يوم بدر ، فقام إليه أبوه ليبارزه ، فقال له النبي ﷺ :
«متِّعنا بنفسك !»
ثم منَّ الله عليه بالإسلام ، فأسلم في هدنة الحديبية ، وكان اسمه عبد الكعبة فغيّره النبي ﷺ فسمَّاه عبد الرحمن .
صحب النبي ﷺ ، وحَسُنَ إسلامه ، وكان أحد الأبطال الميامين ومن أشجع رجال قريش وأرماهم بسهم ، حضر (معركة اليمامة) مع خالد بن الوليد ، فقتل سبعة من كبار بني حنيفة ، وشهد فتوح الشام وله فيها مواقف هائلة ، وكان ينادي في أَتون المعركة :
أنا عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق .
وكان رجلاً صالحاً ، لم تجرّب عليه كذبةٌ قط ، وتوفي سنة ٥٦ هـ قبل أخته عائشة ،
دفن في مكة ، ولما بلغ عائشة خبرُه خرجت حاجّةً فوقفت على قبره وبكت عليه .
٢ - عبد الله :
أسلم قديماً ، وهو الذي كان يأتي رسولَ الله ﷺ وأباه في الغار بزادهما وأخبار قريش ، وكان غلاماً شاباً ذكيّاً فطِناً ، يبيت عندها ، ويدّلج عندهما بسحَر ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت ، فلا يسمع أمراً يُكتادان به إلا وَعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام .
شهد رضي الله عنه الفتح وحُنيناً والطائف ورُمِي فيها بسهم فجُرح ثم اندمل جرحه ثم انتقض ، فمات في خلافة أبيه في شوال سنة ١١ هـ ، وصلى عليه أبوه .
٣ - محمد :
نشأ في حَجْر علي بن أبي طالب رضي الله عنه ؛ لأنه كان تزوج أمه - أسماء بنت عميس- بعد وفاة أبي بكر ، شهد مع سيدنا عليٍّ معركتي الجمل وصفين ، ثم أرسله إلى مصر أميراً عليها سنه 37 للهجرة ، وقتل بها .
٤ - أسماء :
ذات النطاقين ، وزوج سيدنا الزبير بن العوام ابن عم رسول الله ﷺ ، وُلِدت قبل الهجرة بـ 27 سنة ، وتوفيت بُعيد مقتل ابنها عبد الله بن الزبير سنة 73 للهجرة ، فعاشت 100 سنة ، وقد كف بصرها بآخر عمرها ، أسلمت قديماً جداً ، وهاجرت وهي حامل بابنها عبد الله وولدته بقُباء ، كانت من عِلية النساء وأجرئهن قلباً ، حضرت مع زوجها الزبير معركة اليرموك ، وكانت سخية النفس ، معروفة بالجود ، لا تدخر شيئاً على سَنَن أبيها رضي الله عنها .
٥ - عائشة :
الصديقة الطاهرة بنت الصديق الأكبر ، وزوج سيد الخلق ﷺ ، وأم المؤمنين وأعلم نساء الإسلام .
وُلدت سنه 7 قبل الهجرة ، وتوفيت سنه 57 للهجرة ليلة 17 من رمضان بعد الوتر ودفنت في البقيع .
٦ - أم كلثوم :
أمها حبيبة بنت خارجة ، كانت حاملاً بها عندما توفي أبو بكر ، وكان يظنها بنتاً ، فكانت كما ظن ، وأوصى بها ابنته عائشة .
خصيصة لأبي بكر وآله :
لا يعرف أربعة متناسلون بعضهم من بعض صحبوا رسول الله ﷺ إلا آل أبي بكر الصديق ، وهم :
١ - عبد الله بن أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة . فهؤلاء الأربعة صحابة .
٢ - وأيضاً أبو عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة .
دار أبي بكر
في مكة : كان في دار أبيه أبي قحافة .
وفي المدينة : كان له داران .
فلما هاجر الصديق نزل على خارجة بن زيد ، وتزوج ابنته حبيبة ، واتخذ له مسكناً هناك بالسُّنْح حيث منازل بني الحارث بن الخزرج .
(والسُّنْح) : مكان في عوالي المدينة النبوية على ميل من مسجد رسول الله ﷺ .
ولما أقطع النبي ﷺ الدور بالمدينة ، جعل لأبي بكر موضع داره عند المسجد ، وفيه كانت زوجتاه أم رومان وأسماء بنت عميس ، ولم تزل هذه الدار بيد أبي بكر حتى احتاج إلى شيء يعطيه لبعض من وفد عليه ، فباعها فاشترتها منه حفصة أم المؤمنين بأربعة الاف درهم ، فلم تزل بيدها إلى أن أرادوا توسيع المسجد في خلافة عثمان ، فطلبوها منها ليوسعوا بها المسجد ، فامتنعت وقالت :
كيف بطريقي إلى المسجد ؟ فقيل لها :
نعطيك داراً أوسع منها ، ونجعل لك طريقاً مثلها ، فسلمت ورضيت .
ومعظم إقامته رضي الله عنه كانت في داره الملاصقة للمسجد النبوي ، حيث يلازم رسول الله ﷺ ويشهد معه صلواته وساعاته ومجالسه ، ويتردد إلى منزله بالسُّنْح عند زوجته حبيبة وأصهاره ، بل إنه في مرض وفاة النبي ﷺ استأذنه أن يذهب إلى السنح ، فأذن له ، فأتاه الناعي يخبره بوفاة سيد الخلق ﷺ .
😘🤍
🤚🤚🤚
// سيرة الصديق //
الحلقة السادسة..
من ثمرات إسلامه .. 👇
انتهض سيدنا الصدّيق رضي الله عنه إلى الدعوة ،
يحمل لواءها في ظل رسول الله ﷺ مشمِّرا في تبليغها ، بعد أن أظهر إسلامه على الملأ ، فجعل يدعو من يثق به من بيوتات قومه ،
فأجاب دعوته واستجاب له _في غير تردد أو توقف_ خمسة نفر ، فأسلم بدعوته عدد من كبار الصحابة منهم :
عثمان بن عفان ،
الزبير بن العوام ،
عبد الرحمن بن عوف ،
سعد بن أبي وقاص ،
وطلحة بن عبيد الله ، وذلك في بدء الدعوة ، ثم جاء بعثمان بن مظعون ،
وأبي عبيدة بن الجراح ،
وأبي سلمة بن عبد الأسد ، والأرقم بن أبي الأرقم ، فأسلموا كذلك .
_رضي الله عن الجميع_ .
وابتنى رضي الله عنه بفناء داره مسجداً يصلي فيه ويقرأ القرآن ، فيجتمع عليه الناس ، ويستمعون إلى قراءته وصلاته وبكائه ،
فكان ذلك سبباً في إسلام كثيرين .
ولم تتوقف دعوه الصدّيق إلى الإسلام على ما سبق ذكره ، بل كان رديف النبي ﷺ في دعوته العامة للقبائل .
ولم يكتفِ الصدّيق في الدعوة والبلاغ بالكلمة والحجة ، بل أنفق أمواله في سبيل نشر الإسلام ، فراح يبذل ماله في استنقاذ العبيد المعذبين ، فكان إذا مرّ على أحد من العبيد يُعذَّب اشتراه من سادته ، وأعتقه ابتغاء وجه ربه الأعلى .
مواليه
١ - سيدنا بلال بن رباح رضي اللّه عنه :
مؤذن رسول الله ﷺ ، من السابقين الأولين الذين عُذِّبوا في الله ، وأحد سبعة أظهروا إسلامهم بمكة .
عذبه المشركون وصهروه في الشمس ، فهانت عليه نفسه وصبر ، كان سادة بني جُمَح يأخذونه فيعذبونه ،
وخاصة أمية بن خلف ، فيخرجه إذا حميت الظهيرة ، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ، ثم يأمر بالصخرة العظيمة ، فتوضع على صدره ، ثم يقول له :
لا والله لا تزال هكذا حتى تموت ، أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى .
فيقول وهو في ذلك البلاء :
أحدٌ ، أحد !
ومر به أبو بكر الصديق يوماً وهم يصنعون ذلك به ، فاشتراه وأعتقه من أمية بن خلف ، الذي أذاقه العذاب الأليم ، وهو مدفون في الحجارة بخمس أواقٍ ذهباً ، فقال :
لو أبيتَ إلا أوقيةً لبعناكَه ، قال :
لو أبيتم إلا مئة أوقية لأخذته !
والأوقية تساوي 119 جراماً فيكون الصديق اشتراه ب 595 جراماً من الذهب .
وكان سيدنا عمر يقول : أبو بكر سيدنا ، وأعتق سيدنا ، يعني بلالاً .
وفي خلافة سيدنا أبي بكر استأذنه بلال رضي الله عنه أن يتركه ليلحق بالشام ويجاهد هناك في سبيل الله ويشارك في شرف الفتوحات ، فتلطف إليه الصديق أن يبقى في المدينة المنورة ، ليصدح بصوت التوحيد في الأذان ، ويبقي في سمائها ذكرى رسول الله ﷺ وصلواته بالمسلمين ، فقال له بلال :
يا أبا بكر إن كنت إنما أعتقتني لتتخذني خادماً فاتخذني خادماً ، وإن كنت إنما اعتقتني لله فدعني فأعمل لله !
فبكى أبو بكر ثم قال : بل أعتقتك لله ، فأذن له وخرج لوجهه إلى الشام
توفي بلال رضي الله عنه سنة 20 للهجرة ، ودفن بباب الصغير بدمشق .
أما أمية بن خلف فقد استمر على شركه ، وقُتل يوم بدر كافراً .
٢ - عامر بن فهيرة : أحد السابقين إلى الإسلام ، وكان ممن يُعذَّب في الله فاشتراه الصديق من الطُّفَيل بن عبد الله بن الحارث وأعتقه .
والطفيل ربيب أبي بكر ، إذ كان ابن زوجه أم رومان ، فهو أخو السيدة عائشة رضي الله عنها لأمها .
خرج مع النبي ﷺ وأبي بكر يوم الهجرة ، وشهد بدراً وأحداً ، واستشهد يوم بئر معونة سنة 4 للهجرة .
٣ - سعد : صحابي ، وكان يخدم النبي ﷺ ، وكان النبي ﷺ يعجبه خدمته فقال :
« أبا بكر ، أعتق سعداً » فقال : يا رسول الله ، ما لنا ماهنٌ _خادم_ غيره ،
فقال رسول الله ﷺ :
«أعتق سعداً ، أتتك الرجال ، أتتك الرجال » يعني السبي .
٤ - أبو القاسم : صحابي شهد خيبر .
٥ - شديد : حاجب أبي بكر ومولاه ،
أدرك النبي ﷺ ، وهو الذي أحضر عهد أبي بكر في استخلافه عمر .
٦ - أبو فُكَيهة : مولى صفوان بن أمية بن خلف ، أسلم قديماً ، فربط أمية بن خلف في رجله حبلاً فَجَرَّه حتى ألقاه في الرمْضاء ، وجعل يخنقه ، فجاء أخوه أبيُّ بن خلف فقال : زده ، فلم يزل على ذلك حتى ظن أنه مات ، فمرَّ به أبو بكر الصديق فاشتراه وأعتقه .
٧ - كثير بن عبيد : تابعي .
٨ - عمرو .
٩- صفيّة : أم التابعي الجليل محمد بن سيرين .
١٠ - زِنّيرة : وكانت أَمَة عمر بن الخطاب قبل أن يسلم ، ولما أسلمت صار عمر يعذبها ويضربها ، وذهب بصرها من شدة الضرب ، فقالت قريش : ما أذهب بصرَها إلا اللاتُ والعزى .
فقالت وهي لا تبصر : والله ما هو كذلك ، وما يدري اللات والعزى من يعبدهما ؟
وربي قادر على أن يرد عليّ بصريّ ، فردّ الله عليها بصرها تلك الليلة ، فقالت قريش :
هذا من سحر محمد ، فاشتراها أبو بكر فأعتقها ، وكانت قريش تقول :
لو كان خيراً ما سبقتنا إليه زِنّيرة ، فأنزل الله عز وجل :
*وقال الذين كفروا للذين ءامنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه*
واشترى الصديق جارية كانت أَمَةً في بني عدي ، قوم عمر بن الخطاب ، وكان عمر يعذبها ، واشترى أيضاً أمة في بني عبد شمس ،
وكانت تدعى أم عبيس وأعتقها ، واشترى النَّهْدية وابنتها ، وجارية بني المؤمَّل وأعتقهن .
قال أبو قُحافَةَ لأبي بكر :
يا بُنَيّ ، إني أراك تُعْتِقُ رِقابًا ضِعافًا ، فلو أنّك إذ فعلتَ ما فعلت أعتقتَ رِجالًا جُلْدًا يمنعونك ، ويقومون دونَك ؟
فقال أبو بكر رضي اللّٰه عنه :
يا أبَتْ ، إنّي إنّما أُرِيدُ ما أُرِيدُ لِلّهِ تعالى ،
فَيُتَحَدّثُ أنّهُ ما نزل هؤلاء الآياتِ إلّا فيه ، وفِيما قالَ لَهُ أبُوهُ :
*فَأمّا مَن أعْطى ، واتَّقى وصَدَّقَ بِالحُسْنى*
" الليل"
إلى قَوْلِهِ تعالى :
*وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى ، إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعلى ، ولَسَوْفَ يَرْضى*
وكان رسول الله ﷺ يقضي في مال أبي بكر كما يقضي في مال لنفسه .
لما قدم ﷺ المدينة وأراد بناء المسجد الشريف ، قال : «يا بني النجار ، ثامِنوني بحائطكم»
قالوا :
لا نطلب ثمنَه إلا من الله ، فأبى ذلك ، وابتاعها بعشرة دنانير أداها من مال أبي بكر رضي الله عنه ، وكان خرج من مكة بماله كله .
🤚🤚🤚
// سيرة الصديق //
الحلقة السابعة...
صحبته النبي ﷺ
لا نزاع بين أهل العلم بحالِ النبي ﷺ وأصحابه أنّ مصاحبة أبي بكر له كانت أكمل من مصاحبة سائر الصحابة ، فقد صحب أبو بكر رضي الله عنه النبيَّ ﷺ من حين أسلم إلى حين توفي ، لم يفارقه في سفرٍ ولا في حضرٍ ، إلا فيما أذن له في الخروج فيه من حج وغزو ، وشهد معه المشاهد كلها ، وهاجر معه ، وترك عياله وأولاده رغبة في الله ورسوله ، وهو رفيقه في الغار ، وقام بنصر رسول الله ﷺ في غير موضع ، وله الآثار الجميلة في المشاهد ، وثبت يوم أحد ، ويوم حُنين وقد فرّ الناس .
*حبّه للنبي ﷺ ودفاعه عنه*
قد عُلِم بالتواتر المعنوي :
أن أبا بكر رضي الله عنه كان محبّاً للنبي ﷺ ، مؤمناً به ، من أعظم الخلق اختصاصاً به ، أعظمَ مما تواتر من شجاعة عنترة ومن سخاء حاتم ومن موالاة عليّ رضي الله عنه ومحبته له .
وكان رضي الله عنه من أشجع الناس ، يثبت في المعارك كالجبال الرواسي ، لا يحيد خطوة عن رسول الله ﷺ يدافع عنه ويذود ، ولذا لم تكن له تلك الحركة والصولة بين صفوف الأعداء ، كما يفعل بعض الصحابة أمثال
حمزة بن عبد المطلب ، وعلي بن أبي طالب ،
والزبير بن العوام ،
وأبي دجانة رضي الله عنهم جميعاً .
ومن هنا لم تظهر شهرته أمثالهم ؛ إذ يُذكَر شجعان بعدد الذين يقتلونهم من الأعداء أو يأسرونهم من الخصوم ، ويختلف عنهم أبو بكر رضي الله عنه إذ يبقى بجانب رسول الله ﷺ يدافع عنه بكل شجاعة ، ويتلقى عنه الضربات .
وكان رضي الله عنه كريماً سخيّاً ، أنفق جل ماله في سبيل الله ورسوله ﷺ ،
وقد نزلت في حقه *«وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى»*
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
قال رسول الله ﷺ :
«ما نفعني مالٌ قطّ ما نفعني مال أبي بكر»
فبكى أبو بكر وقال :
هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله .
وقد كان ماله يوم أسلم 40,000 درهم أنفقها كلها على رسول الله ﷺ ،
ولم يبقَ منها يوم الهجرة إلا 5000 .
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال :
أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق ، فوافق ذلك مالاً عندي ، قلت :
اليوم أسبق أبا بكر _إن سبقته يوماً_ فجئت بنصف مالي ، فقال رسول الله ﷺ : «ما أبقيت لأهلك؟»
قلت : مثله
وأتى أبو بكر بكل ما عنده ، فقال :
«يا أبا بكر ، ما أبقيت لأهلك؟»
قال : أبقيت لهم الله ورسوله .
فقلت : لا اسبقه في شيء أبداً .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
قال رسول الله ﷺ :
«ما لأحد عندنا يد إلا كافئناه ، إلا أبا بكر ، فإن له عندنا يداً يكافئه الله بها يوم القيامة»
*مواقف وتضحيات*
بينا النبي ﷺ يصلي في حِجر الكعبة ، إذ أقبل عُقبة بن أبي مُعَيط فوضع ثوبَه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً ، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمَنكِبه ودفعه عن النبي ﷺ ، قال :
أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله .
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :
لقد ضربوا رسول الله ﷺ مرة حتى غُشِيَ عليه ، فقام أبو بكر فجعل ينادي :
ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول :
ربي الله؟
فتركوه ، وأقبلوا على أبي بكر .
عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما :
أنهم قالوا لها :
ما أشد ما رأيت المشركين بَلَغوا من رسول الله ﷺ ؟
فقالت :
كان المشركون قعدوا في المسجد يتذاكرون رسولَ الله ﷺ وما يقول في آلهتهم ، فبينما هم كذلك ، إذ أقبل رسول الله ﷺ ، فقاموا إليه بأجمعهم ، فأتى الصريخُ إلى أبي بكر ، فقالوا :
أدرك صاحبك !
فخرج من عندنا وإن له لغدائر أربع ، وهو يقول :
أتقتلون رجلاً أن يقول ربيَ الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ؟
فلَهَوا عن رسول الله ﷺ ، وأقبلوا على أبي بكر ،
قالت: فرجع إلينا أبو بكر ، فجعل لا يمسُّ شيئاً من غدائره إلا جاء معه ، وهو يقول :
تباركت ذا الجلال والإكرام ! وفي رواية :
أنه رجع وقد صدعوا فَرْق رأسه ، مما جَبَذوه بلحيته ، وكان رجلاً كثير الشعر .
الغدائر :
جمع غديرة ، وهي الضفيرة من الشعر
صدعوا : شقوا
الفَرْق : حيث يتفرق الشعر من مقدَّم الجبهة إلى وسط الرأس .
عن علي رضي الله عنه :
أنه خطبهم فقال :
يا أيها الناس ، من أشجع الناس ؟
فقالوا : أنت يا أمير المؤمنين ،
فقال : أما إني ما بارزني أحد إلا انتصفت منه ، ولكن هو أبو بكر !
إنا جعلنا لرسول الله ﷺ عريشاً ، فقلنا :
من يكون مع رسول الله ﷺ لئلا يهوي إليه أحد من المشركين ؟
فوالله ما دنا منا أحدٌ إلا أبو بكر شاهراً بالسيف على رأس رسول الله ﷺ ، لا يَهْوي إليه أحد إلا أهوى إليه ، فهذا أشجع الناس .
قال : ولقد رأيت رسول الله ﷺ وأخذته قريش ، فهذا يحادُّه ، وهذا يُتَلتِله ، ويقولون :
أنت جعلت الآلهة إلهاً واحداً ؟
فوالله ما دنا منا أحدٌ إلا أبو بكر ، يضرب هذا ، ويجاهد هذا ، ويُتَلتِل هذا ،
وهو يقول :
ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟
ثم رفع عليٌّ رضي الله عنه بُرْدة كانت عليه فبكى حتى اخضلّت لحيته ، ثم قال :
أنشدكم الله ، أمؤمنُ آل فرعون خيرٌ أم هو ؟
فسكت القوم ، فقال سيدنا علي :
فوالله لساعة من أبي بكر خيرٌ من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون ، ذاك رجل يكتم إيمانه ، وهذا رجل أعلن إيمانه .
يحاده : يغاضبه ويعاديه ويخالفه .
يتلتله : يحركه ويزعزعه عن مكانه .
😘🌹🌹😘
🤚🤚
// سيرة الصديق //
الحلقة التاسعة..
الهجرة .. 👇
أحداث ومواقف صدّيقيّة....
اشتد الأذى بالصّدّيق كما اشتد بسائر المؤمنين ، وأمر رسول الله ﷺ أصحابه بالهجرة إلى المدينة قائلاً لهم :
«إن الله جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون بها » ،
فخرجوا أرسالاً ، وأقام النبي ﷺ ينتظر أن يؤذَن له ، ولم يتخلف من المسلمين إلا من حُبِس أو فُتِن ، وتخلّف أبو بكر الصديق رضي الله عنه وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، لأمر رسول الله ﷺ .
وكان أبو بكر كثيراً ما يستأذن رسول الله ﷺ في الهجرة فيقول له ﷺ :
«لا تعجل ، لعل الله أن يجعل لك صاحباً» .
ويقول له :
«على رسلك ، فإني أرجو أن يؤذَن لي».
قال أبو بكر :
وترجو ذلك يا رسول الله بأبي أنت وأمي .
قال : «نعم»
فحبس أبو بكر نفسَه لصحبة رسول الله ﷺ ، وعلف ناقتين كانتا عنده ورقَ السَّمُر .
وجاء الإذن لرسول الله ﷺ بالهجرة إلى المدينة مع هلال شهر ربيع الأول ، فأتى ﷺ دارَ أبي بكر رضي الله عنه في الظهيرة على غير عادته ، إذ كان يأتيه إما صباحاً وإما مساءً .
فقال قائل لأبي بكر :
هذا رسول الله ﷺ مُتقَنِّعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها .
فقال أبو بكر :
فداءٌ له أبي وأمي ، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمرٌ .
فجاء رسول الله ﷺ ، فاستأذن فأذِن له ، فدخل فقال النبي ﷺ لأبي بكر : «أَخرجْ مَن عندك»
فقال أبو بكر : إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله .
قال : «فإني قد أُذِن لي في الخروج»
فقال أبو بكر :
الصحابة بأبي أنت يا رسول الله .
قال رسول الله ﷺ :
«نعم»
فبكى سيدنا أبو بكر من شدّة الفرح ، وقال :
بأبي أنت يا رسول الله فخذ إحدى راحلتيَّ هاتين .
وقدّم له أفضلهما ، وقال : اركب بأبي أنت وأمي .
فقال :
«إني لا أركب بعيراً ليست لي»
قال : فهي لك يا رسول الله .
قال : «لا ، ولكن بالثمن الذي ابتعتها له»
قال : ابتعتها بكذا وكذا.
قال : «قد أخذتها بذلك»
تقول السيدة عائشة رضي الله عنها : فَجَهّزْناهُما أحثَّ الجِهازِ ، وصنعنا لهما سُفْرَةً في جِرابٍ ، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعةً من نِطاقِها ، فربطت بِهِ عَلى فَمِ الجرابِ ، فبذلك سُمِّيَتْ ذاتَ النِّطاقِينِ .
أحث الجهاز : أسرعه .
سفرة : زاد المسافر من الطعام .
جراب : وعاء من جلد .
نطاقها : النطاق حزام تَلْبَسه المَرْأةُ وتَشُدُّ به وسَطَها ، فشَدَّت بِه الجِرابَ
وسميت ذات النطاقين :
لأنها شَقَّت نِطاقِها ، فجعلت واحِدًا لسُفرةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، والآخَرَ لنَفْسِها تشد به ثوبها .
// دروس وعبر //
لقد علم أبو بكر رضي الله عنه أن ملأ الكفر اجتمع في دار الندوة يأتمرون بالنبي ﷺ ليقتلوه ، فمن يصحبه في هجرته سيكون له نفس المآل ، لأن قريشاً ستملأ السهل والجبل بفرسانها ، لتظفر بالنبي المهاجر ﷺ ، وبقي الصديق يتهلَّل لتلك الصحبة ، بقي كما هو شأنه دائماً ثابت الجَنان .
إنه يعلم أن تلك الصحبة تعني الوقوف بين فكي المنيّة ، لكنه يوقن يقيناً لا يخامره شك أن النبي ﷺ ناجٍ بحماية الله وعصمته ، لذلك تلقى خبر الصحبة في الهجرة بالفرح ، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها :
فوالله ما شعرت قطّ قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح ، حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي من الفرح.
وقوله ﷺ لأبي بكر لما عرض عليه الراحلة :
«بالثمن» لم يكن ذلك _والله أعلم_ إلا لأن يخلص ثواب الهجرة له لا يشركه أحد في ثوابها ، وإلا فقد كان النبي ﷺ يحكم في مال أبي بكر كما يحكم في مال نفسه .(١)
________________
١. الرياض النضرة للطبري
😘🌹❤️

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق